محمد بن جرير الطبري
453
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
جاعله في الأرض لا عنْ غيره ( 1 ) . لأنّ المحاورة بين الملائكة وبين ربها عنهُ جرتْ . قالوا : فإذا كان ذلك كذلك - وكان الله قد بَرّأ آدم من الإفساد في الأرض وسفك الدماء ، وطهَّره من ذلك - عُلم أن الذي عنى به غيرَه من ذرّيته . فثبت أن الخليفة الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء هو غيرُ آدم ، وأنهم وَلدُه الذين فعلوا ذلك ، وأن معنى الخلافة التي ذكرَها الله إنما هي خلافة قرن منهم قرنًا غيرَهم لما وصفنا . وأغفل قائلوا هذه المقالة ، ومتأوّلو الآية هذا التأويل ، سبيلَ التأويل . وذلك أنّ الملائكة إذ قال لها ربها : " إني جاعلٌ في الأرض خليفة " ، لم تُضف الإفساد وسفك الدماء في جَوابها ربَّها إلى خليفته في أرضه ، بل قالت : " أتجعل فيها من يُفسد فيها " ؟ وغير مُنْكَر أن يكون ربُّها أعلمها أنه يكون لخليفتِه ذلك ذرّيةٌ يكون منهم الإفساد وسفك الدماء ، فقالت : يا ربنا " أتجعل فيها من يُفسدُ فيها ويسفكُ الدماء " . كما قال ابن مسعود وابن عباس ، ومن حكينا ذلك عنه من أهل التأويل ( 2 ) . * * *
--> ( 1 ) في المطبوعة " لا غيره " بإسقاط " عن " . ( 2 ) في الأصل المخطوط بعد هذا الموضع ما نصه : - [ بلغتُ من أوّله بقراءتي على القاضي أبي الحسن الخصيب ابن عبد الله الخصيبيّ ، عن أبي محمد الفَرْغانيّ ، عن أبي جعفر الطبري . وسمع معي أخي علي بن أحمد بن عيسى ، ونصر بن الحسن الطبري . وسمع أبو الفتح أحمد بن عمر الجهاري ، من موضع سماعه . وكتب محمد بن أحمد بن عيسى السعدي في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعمئة ] * * * " تذكرة " تبين لي مما راجعته من كلام الطبري ، أن استدلال الطبري بهذه الآثار التي يرويها بأسانيدها ، لا يراد به إلا تحقيق معنى لفظ ، أو بيان سياق عبارة . فهو قد ساق هنا الآثار التي رواها بإسنادها ليدل على معنى " الخليفة " ، و " الخلافة " ، وكيف اختلف المفسرون من الأولين في معنى " الخليفة " . وجعل استدلاله بهذه الآثار ، كاستدلال المستدل بالشعر على معنى لفظ في كتاب الله . وهذا بين في الفقرة التالية للأثر رقم : 605 ، إذ ذكر ما روي عن ابن مسعود وابن عباس ، وما روي عن الحسن في بيان معنى " الخليفة " ، واستظهر ما يدل عليه كلام كل منهم . ومن أجل هذا الاستدلال ، لم يبال بما في الإسناد من وهن لا يرتضيه . ودليل ذلك أن الطبري نفسه قال في إسناد الأثر : 465 عن ابن مسعود وابن عباس ، فيما مضى ص : 353 " فإن كان ذلك صحيحًا ، ولست أعلمه صحيحًا ، إذ كنت بإسناده مرتابًا . . " ، فهو مع ارتيابه في هذا الإسناد ، قد ساق الأثر للدلالة على معنى اللفظ وحده ، فيما فهمه ابن مسعود وابن عباس - إن صح عنهما - أو ما فهمه الرواة الأقدمون من معناه . وهذا مذهب لا بأس به في الاستدلال . ومثله أيضًا ما يسوقه من الأخبار والآثار التي لا يشك في ضعفها ، أو في كونها من الإسرائيليات ، فهو لم يسقها لتكون مهيمنة على تفسير آي التنزيل الكريم ، بل يسوق الطويل الطويل ، لبيان معنى لفظ ، أو سياق حادثة ، وإن كان الأثر نفسه مما لا تقوم به الحجة في الدين ، ولا في التفسير التام لآي كتاب الله . فاستدلال الطبري بما ينكره المنكرون ، لم يكن إلا استظهارًا للمعاني التي تدل عليها ألفاظ هذا الكتاب الكريم ، كما يستظهر بالشعر على معانيها . فهو إذن استدلال يكاد يكون لغويًّا . ولما لم يكن مستنكرًا أن يستدل بالشعر الذي كذب قائله ، ما صحت لغته ؛ فليس بمستنكر أن تساق الآثار التي لا يرتضيها أهل الحديث ، والتي لا تقوم بها الحجة في الدين ، للدلالة على المعنى المفهوم من صريح لفظ القرآن ، وكيف فهمه الأوائل - سواء كانوا من الصحابة أو من دونهم . وأرجو أن تكون هذه تذكرة تنفع قارئ كتاب الطبري ، إذا ما انتهى إلى شيء مما عده أهل علم الحديث من الغريب والمنكر . ولم يقصر أخي السيد أحمد شاكر في بيان درجة رجال الطبري عند أهل العلم بالرجال ، وفي هذا مقنع لمن أراد أن يعرف علم الأقدمين على وجهه ، والحمد لله أولا وآخرًا .